يُمثل تنظيم تشغيل المرأة في بيئة العمل أحد أبرز مظاهر التوازن الذي يسعي إليه المشرع بين تكريس مبدأ المساواة وعدم التمييز من جهة، وتوفير الحماية القانونية والصحية اللازمة للأمومة والطفولة من جهة أخري. وفي هذا الإطار، أصدر وزير العمل القرار رقم 75 لسنة 2026 بشأن تحديد الأعمال والأحوال التي لا يجوز تشغيل النساء فيها خلال فترات الحمل والرضاعة، وكذلك وضع الضوابط المنظمة لتشغيلهن خلال ساعات الليل، بما يضمن حماية صحتهن وصحة أطفالهن دون المساس بحقهن الأصيل في العمل والمشاركة الإقتصادية.
ويأتي هذا القرار تنفيذاً لأحكام قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، واتساقاً مع أحكام الدستور المصري والإتفاقيات الدولية التي صدقت عليها جمهورية مصر العربية، وعلي رأسها اتفاقيات منظمة العمل الدولية المتعلقة بالمساواة في الإستخدام والمهنة، وحماية الأمومة، وتوفير بيئة عمل آمنة وصحية. كما يعكس القرار توجهاً تشريعياً حديثاً يهدف إلي تعزيز مشاركة المرآة في سوق العمل، في إطار من الضمانات القانونية التي توازن بين متطلبات الإنتاج وإعتبارات العدالة الإجتماعية والحماية الإنسانية.
ومن خلال هذا القرار، وضع المشرع إطاراً قانونياً متكاملاً يحدد بدقة الأعمال المحظور تشغيل النساء فيها في بعض الفترات، ويلزم أصحاب الأعمال بإتخاذ التدابير الوقائية اللازمة، ويقرر إلتزامات واضحة تتعلق بالنقل الآمن والرعاية الصحية والحصول علي الموافقات الإدارية اللازمة، بما يُعزز من مسؤولية المنشآت في توفير بيئة عمل تراعي خصوصية المرأة وتحفظ حقوقها الدستورية والقانونية.
لقد نص القرار علي سريان جميع الأحكام المنظمة لتشغيل العمال علي النساء دون أي تمييز، مؤكداً أن العاملات يستحققن أجراً مساوياً لأجر الرجال متي كان العمل متساوياً في القيمة.
ويشمل مفهوم الأجر في هذا السياق جميع عناصر المقابل المالي والعيني، بما في ذلك: المرتب الأساسي، العلاوات، الحوافز، البدلات، المزايا النقدية والعينية الأخري.
ويُعد هذا النص امتداداً مباشراً للمبدأ الدستوري الخاص بالمساواة وتكافؤ الفرص، فضلاً عن إلتزام مصر بإتفاقيات منظمة العمل الدولية المتعلقة بالمساواة في الأجور وعدم التمييز في الإستخدام والمهنة
يهدف قرار وزير العمل رقم 75 لسنة 2026 إلي تأكيد حق المرآة في العمل، ووضع ضوابط تنظيمية تستهدف حماية صحتها وصحة طفلها لتحقيق الآتي:
1- حماية الأمومة والطفولة.
2- مواجهة مخاطر السلامة والصحة المهنية للعاملات.
3- الحفاظ علي الصحة الإنجابية للمرأة العاملة.
4- تمكين المرأة من العمل في بيئة آمنة ومتوازنة.
لقد حظر القرار تشغيل النساء خلال فترات الحمل والرضاعة في الأعمال التي تنطوي علي مخاطر قد تؤثر علي الصحة الإنجابية أو علي الجنين أو الطفل، وذلك علي النحو التالي:
1- المخاطر الكيميائية وتشمل المخاطر الناتجة عن التعامل مع المواد الكيميائية الصلبة والسائلة والغازية، وعلي الأخص المخاطر الناتجة عن الصناعات الآتية:
2- المخاطر الفيزيائية وهي المخاطر الناجمة عن التعرض للوطأة الحرارية والبرودة، أو الإشعاعات الضارة والخطرة وغيرها، وعلي الأخص المخاطر الناجمة عن الأعمال الآتية:
- العمل في الأفران المُعدة لصهر المواد المعدنية أو تكريرها أو إنضاجها.
- إذابة الزجاج أو إنضاجه.
- التعرض للمواد المشعة.
3- المخاطر البيولوجية وهي المخاطر الناجمة عن الإصابة بالفيروسات، والبكتريا، والفطريات، والطفيليات، وغيرها، وعلي الأخص المخاطر الناجمة عن الأعمال الآتية:
- العمل في دبغ الجلود.
- العمل في مستودعات السماد المستخرج من المواد البرازية أو روث البهائم أو العظام أو الدماء.
- سلخ الحيوانات وتقطيعها وسمطها وإذابة شحمها.
- صناعة الفحم من عظام الحيوانات ما عدا عملية فرز العظام قبل حرقها.
4- المخاطر الهندسية وهي المخاطر الناجمة عن معدات وأدوات الرفع والجر اليدوي، وتشمل علي الأخص المخاطر الناتجة عن الأعمال الآتية:
- أعمال العتالة اليدوية.
- أعمال نقل البضائع علي عربات يدوية.
وإستثناءً من ذلك، أجاز القرار تشغيل النساء خلال فترة الحمل والرضاعة في الأعمال الإدارية أو الإشرافية، والتي لا تتضمن التعرض لأي من تلك المخاطر، بما يُحقق التوازن بين إستمرار العلاقة الوظيفية وضمان الحماية الصحية اللازمة.
كما يجوز تشغيل النساء في غير فترات الحمل والرضاعة في تلك المهن بشرط توافر كافة إشتراطات السلامة والصحة المهنية وتأمين بيئة العمل وإتباع إجراءات المقررة في شأن حدود الأمان، والإشتراطات والإحتياطات اللازمة لدرء المخاطر الفيزيائية، والميكانيكية، والبيولوجية، والكيميائية، والسلبية.
ويُعد عدم إلتزام المنشأة وفروعها بإتخاذ الإحتياطات والإشتراطات المقررة لدرء المخاطر الناجمة عن العمل، خطراً داهماً علي صحة العاملين والعاملات، ويجوز للجهة الإدارية في هذه الحالة غلق المنشأة كلياً أو جزئياً، أو إيقاف الآلات لحين زوال سبب الخطر.
لقد أجاز القرار تشغيل النساء خلال فترات الليل بناءً علي طلبهن، في أي منشأة أياً كان نوعها، بشرط إتخاذ كافة التدابير الكفيلة بحماية صحتهن ومساعدتهن علي التوفيق بين العمل والمسؤوليات الأسرية.
ولكن، يكون تشغيل النساء ليلاً في أية منشأة صناعية أو أحد فروعها خلال الفترة من الساعة العاشرة مساءً وحتي السابعة صباحاً، وفقاً للضوابط الموضحة عاليةً.
يلتزم صاحب العمل بتوفير عمل نهاري بديل عن العمل الليلي للمرأة العاملة في الحالات الآتية:
1- خلال فترة 16 أسبوعاً قبل الوضع وبعده، منها 8 أسابيع علي الأقل قبل التاريخ المُرجح للوضع.
2- خلال فترة إضافية أخري يتم تقريرها، بناءً علي شهادة طبية تفيد أنها ضرورية للحفاظ علي صحة الأم أو الطفل، وذلك أثناء فترة الحمل أو لفترة إضافية بعد الوضع.
لقد إستثني القرار رقم 75 لسنة 2026 بعض الحالات من القيود المقررة علي العمل الليلي للنساء، ومن أهمها:
1- حالات القوة القاهرة التي يتوقف فيها العمل لأسباب خارجة عن إرادة صاحب العمل، ولم يكن في مقدرته التنبؤ بها وليس من طبيعتها أن تتكرر.
2- العمل في المنشآت التي لا يُستخدم فيها سوي أفراد الأسرة (المنشآت العائلية).
3- إذا كان العمل يتعلق بمواد أولية أو تحضيرية يمكن فسادها بسرعة، ويتحتم العمل الليلي لتفادي خسائر محققة.
4- الحالات التي يشغلن فيها النساء مراكز مسئولة ذات طابع إداري أو تقني، الحالات التي يعمل فيها النساء في أقسام الرعاية الصحية والإجتماعية ولا يشتغلن في أعمال يدوية.
- توفير وسائل النقل والحماية: يلتزم صاحب العمل بتوفير وسائل نقل مناسبة للعاملين خلال ساعات الليل، وضمان إنتقال آمن للعاملات، مع توفير الإسعافات الأولية والرعاية الطبية اللازمة ونقلهن إلي جهات العلاج عند الضرورة، وإتخاذ جميع تدابير الآمن والحماية.
- الحصول علي موافقة مسبقة: يجب علي صاحب العمل التقدم إلي مديرية العمل المختصة للحصول علي موافقة كتابية قبل تشغيل النساء ليلاً.
- تضمين بيانات طلب الموافقة المسبقة للآتي:
- دور مديريات العمل: تتولي مديرية العمل المختصة:
- الحفاظ علي المزايا الأفضل: لا تؤثر أحكام القرار علي أي مزايا أو شروط أفضل مُقررة للمرأة العاملة بموجب:
- قياس أثر التطبيق : تتولي وحدة المساواة بين الجنسين والتمكين الإقتصادي للمرأة بوزارة العمل، بالتنسيق مع الجهات المختصة، إعداد دراسات لقياس أثر القرار ومتابعة مدي فعاليته في حماية المرأة العاملة وتعزيز مشاركتها الإقتصادية.
وفي الختام، يمثل قرار وزير العمل رقم 75 لسنة 2026 خطوة تشريعية مهمة نحو تعزيز حماية المرأة العاملة في جمهورية مصر العربية، من خلال وضع إطار قانوني متكامل يوازن بين مبدأ المساواة في فرص العمل والأجر، وبين توفير الضمانات اللازمة لحماية الأمومة والطفولة وضمان بيئة عمل آمنة وصحية.
ويفرض القرار على أصحاب الأعمال التزامات واضحة تتعلق بتنظيم تشغيل النساء خلال فترات الحمل والرضاعة والعمل الليلي، وتوفير وسائل النقل الآمنة والرعاية الصحية، والحصول على الموافقات اللازمة من الجهات المختصة، بما يجعل الامتثال لأحكامه ضرورة قانونية وإدارية لحماية المنشأة من المخالفات والجزاءات.
وفي هذا الإطار، تقدم مؤسسة السعدني ومشاركوه للمحاماة والاستشارات القانونية الدعم القانوني للشركات وأصحاب الأعمال في مراجعة وتحديث اللوائح الداخلية وسياسات الموارد البشرية وعقود العمل، بما يضمن توافقها الكامل مع أحكام قانون العمل والقرارات الوزارية الحديثة، وعلى رأسها قرار وزير العمل رقم 75 لسنة 2026.
كما تساعد المؤسسة في إعداد اللوائح والإجراءات الداخلية واستيفاء المتطلبات القانونية والتنظيمية اللازمة، بما يُعزز امتثال المنشأة للتشريعات المصرية ويحد من المخاطر القانونية المحتملة.
ومن ثم، فإن تحديث اللوائح الداخلية للشركة بما يتفق مع هذا القرار لا يمثل مجرد إجراء تنظيمي، وإنما يعد خطوة أساسية لضمان إدارة الأعمال في إطار قانوني سليم، وتحقيق بيئة عمل آمنة ومتوافقة مع أحدث المستجدات التشريعية.